الغزالي
189
إحياء علوم الدين
ولما انتهى إلى أصحاب اليمين ما زاد على ذكر الماء ، والظل ، والفواكه ، والأشجار ، والحور العين وكل ذلك من لذات المنظور ، والمشروب ، والمأكول ، والمنكوح . ويتصور ذلك للبهائم على الدوام . وأين لذات البهائم من لذة الملك والنزول في أعلى عليين في جوار رب العالمين ! ولو كان لهذه اللذات قدر لما وسعت على البهائم ، ولما رفعت عليها درجة الملائكة أفترى أن أحوال البهائم وهي مسيبة في الرياض ، متنعمة بالماء والأشجار وأصناف المأكولات ، متمتعة بالنزوان والسفاد ، أعلى وألذ وأشرف وأجدر بأن تكون عند ذرى الكمال مغبوطة من أحوال الملائكة في سرورهم بالقرب من جوار رب العالمين في أعلى عليين ؟ هيهات هيهات ، ما أبعد عن التحصيل من إذا خير بين أن يكون حمارا أو يكون في درجة جبريل عليه السلام فيختار درجة الحمار على درجة جبريل عليه السلام وليس يخفى أن شبه كل شيء منجذب إليه ، وأن النفس التي نزوعها إلى صنعة الأساكفة أكثر من نزوعها إلى صنعة الكتابة ، فهو بالأساكفة أشبه في جوهره منه بالكتاب . وكذلك من نزوع نفسه إلى نيل لذات البهائم أكثر من نزوعها إلى نيل لذات الملائكة ، فهو بالبهائم أشبه منه بالملائكة لا محالة . وهؤلاء هم الذين يقال فيهم * ( أُولئِكَ كَالأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ « 1 » ) * وإنما كانوا أضل لأن الأنعام ليس في قوتها طلب درجة الملائكة ، فتركها الطلب للعجز . وأما الإنسان ففي قوته ذلك . والقادر على نيل الكمال أحرى بالذم وأجدر بالنسبة إلى الضلال مهما تقاعد عن طلب الكمال وإذ كان هذا كلاما معترضا فلنرجع إلى المقصود ، فقد بينا معنى قول لا إله إلا الله ، ومعنى قول لا حول ولا قوة إلا باللَّه ، وأن من ليس قائلا بهما عن مشاهدة فلا يتصور منه حال التوكل . فإن قلت : ليس في قولك لا حول ولا قوة إلا باللَّه إلا نسبة شيئين إلى الله ، فلو قال قائل : السماء والأرض خلق الله ، فهل يكون ثوابه مثل ثوابه ؟ فأقول : لا ، لأن الثواب على قدر درجة المثاب عليه ، ولا مساواة بين الدرجتين . ولا ينظر إلى عظم السماء والأرض وصغر الحول والقوّة ، إن جاز وصفهما بالصغر تجوّزا فليست الأمور بعظم الأشخاص . بل كل عامي يفهم أن الأرض والسماء ليستا من جهة
--> « 1 » الأعراف : 179